الشيخ محمد رشيد رضا

384

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

يتأوّلوا ما ثبت في الكتاب والسنة من أن اللّه تعالى يوجب على نفسه ما يشاء ، فلا يكون ذلك نافيا لكونه صاحب الملك والتدبير ، ولا لتقييد مشيئته بسلطة سواه . ولا هم ينكرون ان مشيئته لا تكون الا على حسب علمه وحكمته ، وانه لا يمكن أن تكون معطلة لصفة من صفاته . فإذا لا وجه للقول بأن مقتضى الملك ان يكون كل عمل يعمله المالك حسنا من حيث إنه المالك ، إذ الامر في الشرع والعقل والعرف ليس كذلك ، فالذي بملك عدة عبيد فيظلم المحسن منهم بالضرب والإهانة بغير ذنب منه ، ويحسن إلى الفاسق المسيىء المفسد في داره وملكه ، يعد ظالما مذموما شرعا وعقلا ولغة وعرفا . واما كون كل ما يفعله اللّه تعالى فهو حق وحسن فليس سببه انه المالك وكون المالك يحسن منه كل تصرف في ملكه من حيث إنه المالك ، بل لأنه تعالى منزه عن الظلم والنقص ، متصف بالحكمة والعدل ، والرحمة والفضل ، فتقديسه وتنزيهه وكماله يتجلى في أسمائه الحسنى كلها لا في اسم الملك والمالك والمريد فحسب . وقد كانت العرب بدوها وحضرها تفهم من وضع أسماء اللّه تعالى في الآيات بحسب المناسبة ما لا يفهمه أمثال الرازي على إمامته في العلوم والفنون العربية ، واطلاعه على ما نقل عنهم في هذا الباب . ومن ذلك ما نقله عن الأصمعي في تفسير آية السرقة قال « قال الأصمعي : كنت أقرأ سورة المائدة ومعي أعرابي فقرأت هذه الآية فقلت ( اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ) سهوا . فقال الأعرابي : كلام من هذا ؟ فقلت كلام اللّه . قال : أعد . فأعدت « اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ » ثم تنبهت فقلت ( اللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ) فقال : الآن أصبت . فقلت : كيف عرفت ؟ قال : يا هذا ( عَزِيزٌ حَكِيمٌ ) فأمر بالقطع . فلو غفر ورحم لما أمر بالقطع . » اه فقد فهم الأعرابي الأمي ان مقتضى العزة والحكمة . غير مقتضى المغفرة والرحمة ، وأن اللّه تعالى يضع كل اسم موضعه من كتابه ، ليدل على متعلقه في خلقه . ولم يتأمل الرازي في كلام الاعرابي من هذا الوجه ، بل من وجه بلاغة المناسبات فقط . وسبحان من لا يغفل ولا يذهل ، ولا يضل ولا ينسى .